مقالات
  • دور المؤمنين في ضمان حماية موارد الارض

     ويقول احد كبار علماء الطبيعة ((إن العلم لا يملك أي تفسير للحقائق، والقول بأنها حدثت اتفاقاً إنما يعتبر تحدياً وتصادمياً مع الرياضيات))(1).

 

    ((Science has no explanation to offer for the facts and to say it is" accidental"

Is to defy Mathematics"

 

         أردت أن أسوق هذه المقدمة عن الأرض لأذكر بالجهد العلمي المضني الذي بذل للوصول إلى هذه الحقائق. أما بالنسبة للمؤمن حسب العقيدة الإسلامية فالأمر ابسط من ذلك بكثير. فحسب إيمانه تكفيه خمس كلمات لتقرر له هذه الحقائق وكثيراً غيرها. (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (2). وإذا ما أردنا بعض التفاصيل وجدنا ما يكفينا في القرآن أيضاً. ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) (3).

 

     "ولقد ظل العلم جاهلاً بحقيقة الرواسي طوال القرون الثلاثة عشر الماضية، ولكن دراسي الجغرافيا الحديثة يعرفونها جيداً تحت اسم قانون التوازن "Isostasy " ولا يزال العلم الحديث في مراحله البدائية بالنسبة لأسرار هذا القانون"(4).

 

     ويقول الأستاذ انجلن "من المفهوم الآن أن المادة الأقل وزناً ارتفعت على سطح الأرض، على حيث أصبحت أمكنة المادة الثقيلة خنادق هاوية، وهي التي تراها الآن في شكل بحار. وهكذا استطاع الارتفاع والانخفاض أن يحافظا على توازن الأرض "(5).

 

     وتتسلسل الآيات القرآنية في خلق الأرض. (والأرض بعد ذلك دحاها. اخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها متاعاً لكم ولأنعامكم)(6).

 

     وتطابق الآية الكريمة مطابقة عجيبة احدث الكشوف العلمية، وهي نظرية تباعد القارات أو انتشارها "Theory of Drifting Continents" .

 

     وتشير هذه النظرية إلى أن جميع القارات كانت متصلة مع بعضها ثم انشقت عن بعضها وأخذت تتباعد. وقد ورد في الآية الكريمة لفظة (الدحو) ومعناها تسوية الشيء ونثره، كما يقال "دحى المطر الحصى عن وجه الأرض" وهذا هو نفس مفهوم الكلمة الانجليزية (Drift) التي استخدمت في التعبير عن

 

  


 

(1)    وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى، ص 62-65.

(2)    القمر:49.

(3)    لقمان:10.

(4)    C.R Von Anglek Geomorphology,p.p 26-27. N.Y.198

(5)    وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى، ص 62-65.

(6)    النازعات:30-31.

 

 

النظرية الجغرافية التي طرحت في العالم عام 1915م لأول مرة(1).

 

     بعد ذلك ممكن الله الإنسان من الحياة على هذه الأرض وهيأ له أسباب ذلك. ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون ) (3).

 

موارد الأرض

 

     بعد هذا العرض الذي عرفنا من خلاله من هو المؤمن حسب العقيدة الإسلامية، وتعرفنا إلى شيء من نظرة الإسلام إلى خلق الأرض وتوازنها، وتهيئتها لحياة الإنسان لا بد لنا الآن من البحث في بعض موارد الأرض ولا أقول كلها.

 

     عند الرجوع إلى تقرير(معهد الموارد العالمية لعام 88-1989م(3) Word Resources Institiuek نجده يتحدث عن السكان (الإنسان) كأول موارد الأرض، كما يشمل هذا التقرير الحديث عن المياه العذبة، والغذاء والزراعة، والغابات وأراضي الرعي، والحياة البرية ومواطنها، والطاقة والبحار، والغلاف الجوي، والمناخ، وتأهيل واستعادة الأرض(4). وفي سبيل حماية هذه الموارد، وحسب الصورة المعلنة، حاولت المنظمات العالمية ودول العالم وما تزال تحاول. فعقد عام 1972م مؤتمر استوكهلم المعني بالبيئة البشرية. واعدت اللجنة العالمية للبيئة والتنمية عام 1987م تقريرها حول مستقبلنا المشترك. وعقد عام 1992م مؤتمر ريو المعروف بقمة الأرض من اجل البيئة التنمية، وتمخض عنه جدول أعمال القرن 21. وبالرغم من كل المحاولات والخطط التي وضعت وبالرغم من أن هذا العصر تميز بطرح المشكلات على المستوى العالمي، إلا انه تميز أيضاً بمعجزة عن حل هذه المشكلات وفقدان فاعليته في حلها حلاً مقبولاً. ولعل ذلك يعود إلى مفهوم (المصطلحة) السائد في معالجة الأمور هذه الأيام وضعف في جانب الإيمان الذي يؤكد أن على الإنسان أن يفكر بمصلحته ومصلحة غيره على حدٍ سواء. وادي ذلك إلى صراع شرس للسيطرة على الموارد واستنزافها بدافع المصلحة أو الاستثمار والربح.

 

 

(1)               وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى، ص 149-151.

 

(2)               الأعراف:10.

 

(3)      معهد الموارد العالمية، كما يعلن عن نفسه، هو مركز للبحوث والسياسات، يساعد الحكومات والمنظمات الدولية القطاع الخاص وغيرها على التصدي للسؤال أساسي هو كيف تستطيع المجتمعات الوفاء بحاجات الإنسان وتعزيز النمو الاقتصادي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الموارد الطبيعية وسلامة البيئة التي تتوقف عليها الحياة والانتعاش الاقتصادي والأمن الدولي. ومركزه في واشنطن ويأتي تمويله من المؤسسات الخاصة ووكالات الأمم المتحدة ووكالات الحكومية والهيئات والأفراد المهتمين بنطاق عمله.

 

(4)               موارد العالم 88-1989م، معهد الموارد العالمية، المعهد الدولي لشؤون البيئة والإنماء، برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

 

 

 

     وأما من جهة النظر الإسلامية فالموقف اتجاه الموارد بصورة إجمالية مختلف. ففي الحديث الصحيح رواه أبو داوود في سننه بإسناد صحيح قال :(( الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار)).

 

     وتشمل هذه الموارد الثلاثة معظم موارد الأرض التي وردت في تقرير معهد الموارد العالمية 88-89 المشار إليه، فالماء يشمل المياه العذبة والبحار ومساقط المياه التي تولد الطاقة، والكلأ يشمل أراضي الريع ومواطن الحياة البرية، والنار تشمل الطاقة ومصادرها كالغابات والنفط والغاز والفحم والصخر الزيتي وما شابه ذلك.

 

     والقاعدة التي سنها الرسول صلى الله عليه وسلم للملكية العامة لهذه الموارد، قاعدة تضمن حق الانتفاع للجميع وتجعل الجميع شركاء ضامنين حمايتها وعدم استنزافها أو تلويثها. ونظمت القبائل العربية نظام (الحمى) للمراعي حيث كانت تمنع الرعي في مناطق وتسمح به في أخرى لإعطاء الكلأ فرصة للنمو والتكاثر. وقد استشهد الرسول صلى الله عليه وسلم بفاعلية هذا النظام عندما قال (( كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه)).

 

     وأما في موضوع التأهيل واستعادة الأراضي الذي يتحدث عنه تقرير موارد العالم، فان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له)) (بخاري/ كتاب الحرث)، فان في هذه القاعدة لو طبقت من التشجيع ما يكفي لتأهيل واستعادة جميع الأراضي الموات.

 

     ويعجبني حول موضوع الموارد الأرضية وما ورد في كتيب ((دراسة أساسية عن حماية البيئة في الإسلام)) ص12، الذي شارك الاتحاد الدولي لصون الطبيعة والموارد الطبيعية في نشره بثلاث لغات حيث يقول((إن جميع موارد الحياة فد خلقها الله لنا. وبالتالي فان الانتفاع بها يعتبر في الإسلام حقاً للجميع، لذلك يجب أن يراعى في التصرف فيها الناس الذين لهم فيها شركة وعلاقة. كما ينبغي أن لا ينظر إلى هذه الملكية وهذا الانتفاع على أنهما منحصران في جيل معين دون غيره من الأجيال، بل هي ملكية مشتركة يبنها جميعاً، ينتفع بها كل جيل بحسب حاجته دون إخلال بمصالح الأجيال القادمة، كأن يسيء استثمارها أو نشوهها أو يفسدها وذلك باعتبار أن كل جيل لا يملك سوى حق الانتفاع دون التملك المطلق)).

 

السكان أو الناس

 

     توضح معظم تقارير الأمم المتحدة حالة التدهور والعوز والفقر المدقع وانتشار الأمراض والأوبئة المتفشية بين غالبية سكان الأرض، وان المستقبل لا يبشر بخير. ويوضح تقرير التنمية البشرية أن المطلوب هو مفهوم جديد للأمن البشري وان الأساس الحقيقي للتنمية البشرية هو عالمية مطالب الحياة. وان العدالة وليس الإحسان هو ما يفتقر إليه العالم، وان مستوى الدخل وحده ليس مهماً وإنما أوجه

 

 

 

 

استخدام هذا الدخل. وان العالم لن يكون أميناً من الحروب ما لم يتوافر الأمن للإنسان في بيئته وعمله. وان الجوع ليس بسبب عدم توافر الغذاء وإنما عدم توافر ثمنه، وان المخدرات من اشد التهديدات للمجتمع الإنساني. وان الإنفاق على التسلح يلتهم الموارد الثمينة التي يمكن استخدامها في أغراض التنمية البشرية. وان السعي للأمن البشري يكمن في التنمية وليس في الأسلحة(1).

 

     وثبت من تقارير البنك الدولي قصور المقاييس التقليدية للنشاط الاقتصادي للإنسان، مثل الناتج القومي الإجمالي والدخل القومي بصفتهما مؤشرين على الرفاهية الاجتماعية، وإنهما لا يعكسان بصورة دقيقة بدهور البيئة واستهلال الموارد الطبيعية.

 

     والسبب أن استهلال بعض أنواع رؤوس الأموال كالآلات مثلاً يدخل في الحسابات، أما الاستثمار في رأس المال البشري واستفاد رأس المال البيئي بما في ذلك الموارد الطبيعية غير المتجددة فلا يقاسان. ولذلك بدئ بالبحث هن نهج جديدة مختلفة وأكثرها طموحاً نهج المكتب الإحصائي للأمم المتحدة، والذي يهدف إلى استحداث نظام للحسابات القومية، تدمج فيه صراحة الروابط بين النشاط الاقتصادي واستخدام الموارد الطبيعية والبيئية(2).

 

      إن الحديث عن الموارد والسكان واستنزاف الموارد غير المتجددة حديث قدم. وقد تنبأ (مالثوس) إن الموارد سوف تزداد ندرة مع ازدياد السكان(3).

 

     والناس أو سكان الأرض ما يزدادون بشكل مثير للدهشة، وسوف يصبح عددهم حسب تقديرات البنك الدولي مع نهاية هذا القرن 6.9 مليار ويقتربون من 9 مليارات عام 2030م.

 

سكان العالم (بالملايين)(4)

 

1965

3.326

1973

3.924

1980

4.443

1990

5.270

2000

6.885

2030

8.869

 

 


 

(1)   تقرير التنمية البشرية لعام 1994م، منشور لحساب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ص 50،36،24،15،14،13،1.

(2)   تقرير التنمية في العالم 1992م، مؤشرات التنمية الدولية، البنك الدولي، ص 53.

 

(3)   المرجع السابق، ص 54.

(4)   المرجع السابق، ص 236.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     وكل التوقعات إلى ان بؤس غالبية الناس وجوعهم وشقائهم سوف يزداد بالرغم من قدرتهم على انتاج ما يكفيهم.

 

     ((فقد جرى تقييم القدرة الكامنة في الأرض على إعاشة السكان في البلدان النامية في دراسة مشتركة لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية (والمعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية وأظهرت نتيجة الدراسة أن 117 بلداً نامياً، شملتها الدراسة، يمكنها أن تنتج مجتمعة ما يكفي مرة ونصف مرة عدد سكانها المقدر عام 2000م حتى على المستوى التكنولوجي الأدنى)(1)،ولكنها منفردة تعاني الفقر والجوع في كثير من الأحيان لا تعتبر دول العالم ذلك مسؤولة عن أوضاعها المتردية.

 

     وقس على ذلك تلويث البيئة وإنتاج الطاقة واستهلاكها. تقول ماريان ك. بروكوب هوي من الرواد في مجال تنمية الموارد البشرية في الولايات المتحدة،  في كتابها نحو عالم اخضر،(في عام 1991م، وتبلغ نسبة المواليد الكلية في الولايات المتحدة حالياً 2.1 طفل لكل امرأة مما يجعلها واحدة من الدول الصناعية الأسرع نمواً، على أن مقدار التلوث الذي يسببه الأمريكي العادي يزيد على الذي يسببه مواطن عادي من دول العالم الثلاث بعشرين إلى مائة مرة، ويمثل الاستهلاك الأمريكي الواحد للطاقة ما يستهلكه 3 يابانيين أو 6 مكسيكيين أو 13 صينيين أو 35 هندياً أو 153 بنغلاديشياً أو 499 أثيوبياً)(2).

 

     هذا هو وضع الإنسان أهم مورد من موارد الأرض على أبواب القرن الحادي والعشرين على الرغم من وجود كل المؤسسات الدولية التي تحاول أن تعمل من اجله.

 

فما هـو رأي العقيـدة الإسلامية ودور المؤمنـين فيها تجـاه الإنسان وحمايتـه بصفته أهم موارد الأرض.

 

أولاً: الإنسان مكرم من الله ومستخلف في الأرض لتطويرها واعمارها بالعمل الصالح. ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (3).

 

     وتتكرر مسألة الاستخلاف في الأرض في القرآن الكريم:

     ( ثم جعلناهم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون( (4).

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)             مستقبلنا المشترك، إعداد اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، 1989م، ص 154.

(2)             ماريان ك، نحو عالم اخضر، ص 76.

(3)             الإسراء:70.

(4)             يونس: 14.    

 

 

 

)وعـد الله الذين آمنوا منكم وعمـلوا الصالحات ليستخلفنـهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم (( 1).

 

( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض، فمن كفر فعليه كفره. ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً. ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً) (2).

 

     ودور الإنسان الأول في خلافته للأرض هي طاعة الله وحده لا شريك له( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (3) وحماية موارد الأرض بالنسبة للمؤمن عبادة وتنفيذ لتعاليم الله وطاعة له .

 

     ومن أدواره الأخرى إعمار الأرض وتطويرها (4). ( إنا كل شيء خلقناه بقدر( (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيه((5).

     ثانياً: حب الإنسان لأخيه الإنسان (6):

 

     ومن منطق دور الإنسان الأول وهو عبادة الله وطاعته تنصهر شخصية المؤمن في تعاليم الله فهو يحب أخاه الإنسان ولا يكرهه ولا يحسده وينفي نفسه من داء الحسد.

 

) (ربنا اغـفر لنا ولإخواننا الذيـن سبقـونا بالإيمان ولا تجـعل في قلوبنا غلاً للذين امنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ((7).

 

     والمؤمن يحب الخير لعباد الله جميعاً ويرضى بإرادة الله في تقسيمه للرزق بين الناس .

   )إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيراً بصيراً  (( 8).

 

    )أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله (( 9).

 

     وبالإضافة إلى حبه لأخيه وعدم حسده إياه فإنه يؤثره على نفسه ويقدم له ما هو أحوج إليه.  

    )ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (( 10).

                                                         

(1)         النور: 55.

(2)         فاطر: 39.

(3)         الذاريات: 56.

(4)         يوسف القرضاوي، الإيمان والحياة، ص 176.

(5)         هود: 61.

(6)         يوسف القرضاوي، الإيمان والحياة، ص 176.

(7)         الحشر: 10.

(8)         الإسراء: 30.

(9)         النساء: 54.

(10)    الحشر: 9.

<<التالي  السابق>>

 

 

الصفحة الرئيسية