2005/04/28
استضافت قناة العربية قبل أيام، شخصاً قدمته الي
المشاهدين، بصفة مستشار ملف القدس، لمنظمة التحرير
الفلسطينية فبدا الرجل هانئاً ضاحكاً، يزف الينا
بشري التحول الإيجابي، في سلوك القيادة
الفلسطينية، من منطق الرفض والشكوك، الي منطق
الرضي والقبول. وكان برهانه علي ذلك، هو مشاركة
السلطة الفلسطينية، مع إسرائيل والأردن، في
التوقيع علي مشروع جرّ المياه، من البحر الأحمر،
الي البحر الميت، تحت عنوان رفع منسوبه وإنقاذه.
وعلي الرغم من أهمية التساؤل، حول طبيعة عمل هذا
المستشار، وعن هوية الذين يستشيرونه، فإن الأجدر
بالنقاش، هو كيفية توقيع السلطة الفلسطينية، علي
الشراكة في مشروع استراتيجي، بمعزل عن وقائع
السياسة الإسرائيلية في الضفة، من استمرار في بناء
الجدار، ومن إعلان عن التمسك بالكتل الاستيطانية،
التي تكمن فوق تحتها أحواض المياه الرئيسية، فضلاً
عن وادي الأردن، حيث الحوض الرابع. فهل تداولت
الحكومة، أو تنفيذية منظمة التحرير الفلسطينية، في
هذا الأمر، أم أن التوقيع يوم 23 نيسان (ابريل)
الماضي، علي مشروع قناة البحر الميت، جاء خلسة،
وبدون استراتيجية سياسية تنموية متلازمة؟!
لا نريد ذم المشروع،
وتكرار ما فعله الخبير الأردني الممتاز، سفيان
التل، ممثل بلاده لدي برنامج الأمم المتحدة
للبيئة، الذي شرح في جريدة العرب اليوم الأردنية
المخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من
مشروع مد قناة للمياه، من البحر الأحمر، الي البحر
الميت، بطول 180 كم علي الجانب الأردني من الحدود.
لكن السؤال الضروي، هو عن مبررات انخراط الطرف
الفلسطيني، في مشروع ينشأ تحت عنوان إنقاذ البحر
الميت، علما بأن سبب اجتفاف هذا البحر، وتقلص
مساحته بمقدار الثُلث، هو انتهاب إسرائيل لمياه
الروافد، التي تصب فيه وتحافظ عليه، بنسبة 93%.
واليوم يتقدم
الذئب الإسرائيلي، في ثوب المنقذ، لتتأسس له مصالح
استراتيجية في الأراضي الأردنية، ولكي يتأسس له
سوق إقليمي للمياه المُحلاة، وللكهرباء التي
ينتجها، من خلال التوربينات علي مساقط من الارتفاع
العالي الي المنخفض، بأثمان باهظة، فيما هو يسرق
مياهنا. وسوق المياه، تشمل بيعها أو بيع خبرة
التحلية نفسها، عن طريق تكبيل الطرفين العربيين،
بقروض دائمة.
ففي الوقت الذي
يفكر فيه الإسرائيليون، في الاستحواذ علي المزيد
من نهري اليرموك والأردن، والمياه الجوفية في
الضفة الفلسطينية، فإنهم يدفعون الطرفين الأردني
والفلسطيني، الي الاعتماد علي التحلية التي تعتمد
ـ بدورها ـ علي الخبرة الاسرائيلية. وبالترافق مع
ذلك، تريد مياه التبريد المجانية، لمفاعلاتها
النووية الجديدة، في النقب. ويقول الخبراء إن
المشروع، يوفر للدولة العبرية، إمكانية استغلال
الصخر الزيتي، الذي يُستخرج منه البترول، وأنه
سيُغرق أراضي أردنية، ذات قيمة سياحية (كون بعضها
مناطق آثار) وكذلك منشآت سياحية قامت علي جانب
البحر الميت!
في هذا السياق،
تُباع الأوهام للطرفين العربيين، حول انتعاش سياحي
واقتصادي، ينشأ علي جانبي خط المياه، علماً بأن
مياه البحر الميت، التي يؤمل بأن تعود اليها
السياحة بكثافة، ستتحول الي اللون الوردي أو
الحليبي، أي الي لون منّفر، لا شبيه له في ألوان
البحار، بسبب الاختلاف في نسبة الملوحة، بين بحر
الضخ، وبحر المصب!
العجيب في الأمر،
هو دوران عجلة المشروعات الاستراتيجية، في الوقت
الذي تتعطل فيه وتنغرز في الرمال، عجلة السياسة.
وإن كان من السهل، معرفة كل آفاق المشروعات
وأرقامها (سعر المتر المعكب من المياه ـ مثلاً ـ
يتجه الي دولار ونصف الدولار) فمن الصعب معرفة
آفاق السياسة والمصير الوطني، طالما أن
استحقاقاتها، لا تشترط تعطيل المشروعات الكبري،
بجريرة تعطيل مشروعنا السياسي. ونستهجن في هذا
السياق، ترك الأمور الاستراتيجية، لموظفين
ومستشارين، لا نعلم طبيعة ارتباطاتهم وخلفياتهم،
في الوقت الذي يتركز فيه اهتمامنا، علي الإجابة عن
أسئلة، من شاكلة من يأخذ ماذا في وظائف الأمن
والحكومة؟
ولعل اللغة
العربية الجميلة، قد أسعفتنا، عندما اخترت فعلاً
لا مثيل له في سائر اللغات، وهو يتنطّع ومعناه أن
يترك المتنطعون، الاهتمام بجوهر الأمور، وبالمهم
وبالحاسم منها، و يدقوا في القضايا الهايفة . فنحن
ننشغل كثيراً، في توافه المسائل، ونراوح طويلاً في
مربعاتها، فيما نترك المصيري والجوهري، لمستشارين
مجهولين، يقررون بأن القيادة الفلسطينية، تحولت من
الشك والرفض والسلبية العقيمة، الي العمل
الإيجابي، بدلالة موافقتها، علي مشروعات، لا نعلم
بها، ولم يناقشها أحد!
في هذا السياق،
أمدني أخي د. عبد الرحمن التميمي، المدير العام
لمجموعة الهيدرولوجين الفلسطينية، الذي أمدني
بأسئلة ضرورية، حول مشروع جرّ المياه، من البحر
الأحمر، الي البحر الميت، ليتمثل دور القاضي
الحصيف، في حكاية خاطفة، تُباغت أيامنا. فالخبراء
الفلسطينيون، وعلي رأسهم د. التميمي، يتساءلون: هل
سنكون شركاء في المشروع، أم مجرد زبائن، حالهم
كحال غوار الطوشة؟! وهل قرأ الذي وضع توقيعه،
باسمنا، علي المشروع، أية تقارير علمية، عن
الجدوي، وعن الآثار العلمية؟ وهل كان هناك نقاش
علمي، للمشروع، في أية وزارة؟! وهل أدرك الممسكون
بإدارة الصراع، من السياسيين، الجوانب المختلفة
للمشروع؟ وهل الوقت، الذي يشهد أعمال البناء في
الجدار العنصري، وتوسيع المستوطنات، وتغيير معالم
القدس، والتحايل علي الملكيات العقارية فيها،
والذي يشهد مجمل السلوك الإحتلالي، هو المناسب
للانخراط في مشروعات من هذا النوع؟!
ويقول الخبراء في
مجالي المياه والبيئة، ان مثل هذا المشروع، ينبغي
أن يخضع للتقييم الفني، ليس من قبل طاقم صغير، في
وزارة، أو هيئة حكومية، وإنما من الخبراء
الفلسطينيين، داخل السلطة وخارجها، ومن داخل الوطن
وخارجه، علي أن يستند هذا التقييم، الي دراسات
ووثائق علمية، لا الي تصريحات تحمل بشائر كاذبة،
يُدلي بها مستشارون وموظفون، عن رخاء اقتصادي
مأمول. فقد أقامت مجموعة الهيدرولوجين الفلسطينية،
ورشة عمل، قبل ثلاث سنوات، وطرحت خلالها عشرات
النقاط والأسئلة، حول المشروع، لم تجد من يُجيب
عنها!
|