|
أخبار و
صحافة |
- مراحل تطور مشروع تنفيذ قناة تربط بين
البحر الميت وأحد البحار المفتوحة
|
مراحل تطور المشروع
على الرغم من أن مشروع تنفيذ قناة تربط بين البحر
الميت وأحد البحار المفتوحة قد أخذ زخما كبيرا منذ
منتصف السبعينات إلا أن هذه الفكرة طرحت منذ فترة
طويلة تتجاوز مئة وخمسين عاما، وقامت أكثر من جهة
بدراستها على فترات متباعدة ولأغراض وأهداف
مختلفة.
ففي ظل الصراع الذي احتدم بين فرنسا وبريطانيا
خلال القرن التاسع عشر حول السيطرة على الطرق
الموصلة للمستعمرات في الشرق، وقيام فرنسا بإقناع
حكام مصر بحفر قناة السويس، فكرت بريطانيا في
إيجاد بدائل يمكن من خلالها الربط بين الشرق
الأدنى وأوروبا دون المرور بقناة السويس، ولهذا
الغرض طرح المهندس البريطاني وليام آلن عام 1850م
فكرة ربط البحر الميت بالبحر المتوسط عبر قناة
تبدأ من خليج حيفا إلى وادي الأردن، بحيث يمكن رفع
منسوب المياه في البحر الميت وخليج العقبة إلى
درجة تمكن من إبحار السفن من البحر المتوسط إلى
البحر الأحمر عبر البحر الميت، وعرض هذه الأفكار
في كتاب له بعنوان "البحر الميت – طريق جديد
للهند".
ورغم احتلال بريطانيا لمصر وبسط سيطرتها على قناة
السويس، إلا أنها استمرت في التفكير في المشروع
خوفاً من حدوث أي تغيرات في وضع احتلالها لمصر
يؤدي لحرمانهما من استغلال قناة السويس لأغراض
النقل البحري وبالتالي عزلها عن مستعمراتها في
الهند.
وقد أوفدت إلى فلسطين آنذاك الجنرال تشارلز غوردون
حاكم السودان لإجراء مزيد من الدراسات على فكرة
آلن، وقام غوردون بتطوير مشروع سلفه وأدخل بعض
التعديلات عليه.
وبعد تراجع الاهتمام البريطاني بمشروع قناة البحار
الذي لم يعد له مبرر في نظرهم، تَلَقَف دعاة
الصهيونية من علماء ومنظرين سياسيين الفكرة بعد
تعديلها، وكان أول هؤلاء المهندس السويسري ماكس
بوركارت الذي أعتنق اليهودية واتخذ له اسم ابراهام
بن ابراهام. وطور بوركارت أفكار آلن وغوردون
لتتلاءم ومشاريع الاستيطان الصهيوني في فلسطين،
الذي كان نشيطا في أواخر القرن التاسع عشر، والذي
كانت دعامته الاستيلاء على الأرض والمياه و إنتاج
الطاقة. وفي عام 1899، أرسل بوركارت إلى تيودر
هيرتزل نتائج أبحاثه التي تضمنت مخططا موجزا
للمشاريع اقترح فيه شق قناة من خليج حيفا إلى غور
بيسان، ومن ثم السير بمحاذاة نهر الأردن، وصولا
إلى البحر الميت. بهدف استغلال فارق الارتفاع 400م
ما بين سطح البحر المتوسط والبحر الميت لتوليد
الطاقة. و قد قام تيودور هيرتزل بعرض هذا المشروع
في كتابه " الأرض القديمة – الجديدة " الذي صدر
عام 1902، حيث أشار فيه إلى التصاميم المتعلقة
بمشروع قناة البحار الذي أرسلها إليه بوركات [1].
وفي عام 1919 تطرق المهندس النرويجي يورث إلى
المشروع واقترح شق نفق مباشر بين جبال " يهودا "
بغية استخدام سقوط المياه لتوليد الطاقة على شاطئ
البحر الميت، وفي عام 1925 اقترح مهندس فرنسي يدعى
بيار جنادريون، شق قناة تربط البحرين المتوسط
والميت عبر سهول مرج بن عامر حتى غور الأردن،
وبناء محطتين للطاقة، الأولى في أول غور بيسان،
والأخرى في منخفض نهر الأردن.[2]
وفي عام 1938 كلفت الوكالة اليهودية المهندس
الأمريكي والتر لاودر ميلك دراسة الأوضاع المائية
في فلسطين. و الذي قام بدوره في عام 1944 بتقديم
مشروعه المعروف باسمه إلى الوكالة اليهودية ويتضمن
مشروع لاودر ميلك تحويل مياه نهر الأردن إلى إقليم
السهل الساحلي وإقليم النقب. وتضمن مشروعه شق قناة
تصل البحر المتوسط بالبحر الميت وتمتد من خليج عكا
عبر سهل مرج ابن عامر إلى غور بيسان ووادي الأردن
ومن ثم إلى البحر الميت.[3]
ويلاحظ أن كل هذه الجهود التي بذلت لدراسة مشاريع
ربط البحر الميت بأحد البحار المفتوحة القريبة منه
( المتوسط أو الأحمر ) كانت مرتبطة بشكل كبير
بالرغبة في زيادة الاستيطان اليهودي والهجرة إلى
فلسطين، وضمان السيطرة على الموارد المائية
المختلفة وتحويلها لصالح المشروعات الاستيطانية
الكبيرة وبخاصة في منطقة النقب،وهو ما لم يتحقق في
تلك المرحلة بسبب الأوضاع التي سادت فلسطين ومنعت
تنفيذ هذه الأفكار والمشاريع.
وفي بداية الأربعينات أخذ العديد من التقنيين
والباحثين، بإيعاز ودعم من الحركة الصهيونية
العالمية، بدراسة مشروع قناة البحار جديا، وشكلت
الحركة الصهيونية "لجنة استقصاء الحقائق في
فلسطين" بهدف دراسة ومعرفة إمكانيات استيعاب
المستوطنين اليهود في فلسطين بناء على استغلال
أقصى للأراضي والمياه الفلسطينية. ونشرت اللجنة
أول تقرير لها في عام 1943، والتي كان يرأسها
المهندس الأمريكي جميس هنز، و بمشاركة الخبيرين
جون سافدج و والتر لاودرميلك ، واقترحوا تحويل
مياه نهر الأردن لأغراض الري، وتعويض انخفاض مستوى
البحر الميت الناتج عن ذلك بنقل مياه البحر
المتوسط عبر قناة إلى البحر الميت، إضافة إلى
استغلال ذلك في توليد الطاقة.[4]
وخلال الفترة بين عامي 1950 و1955 قدم الخبير
الأمريكي جون كيتون سبعة مشاريع لسبع قنوات مختلفة
لربط البحر الميت بالبحر المتوسط ليتم اختيار
واحدة منها.[5]
وقد شكلت التطورات السياسية التي شهدتها منطقة
الشرق الأوسط من انسحاب بريطاني من قاعدة قناة
السويس في مصر و قيام جمال عبد الناصر بتأميم
القناة و بسط السيطرة الكاملة عليها، وما تبع ذلك
من فشل للعدوان الثلاثي الفرنسي البريطاني
الإسرائيلي في تحقيق سيطرة على قناة السويس، و
قيام مصر بمنع السفن الإسرائيلية من عبور القناة،
كل هذه التطورات شكلت دافعا قويا لدى الحكومات
الإسرائيلية لتشجيع الأبحاث والدراسات التي تناولت
إمكانية الربط بين البحر الميت والبحار المفتوحة
الأخرى كبديل عن قناة السويس.
وهكذا أصبح لدى الحكومة الإسرائيلية في الستينات
ما يكفي من العلماء والتقنيين لمتابعة دراسة مشروع
قناة البحار. وعلى الرغم من أن هذا المشروع لم يكن
مدرجا للتنفيذ بإلحاح في جدول أعمال الاستيطان
الصهيوني في تلك الفترة، فقد تمت دراسته بصورة
منهجية من قبل خبراء إسرائيليين منهم شلومو غور
ويوفال نثمان ومئير باشن وحاييم فنكل، وشلومو
أكشتاين .[6]
وفي عام 1968 طرحت فكرة حفر قناة تربط بين ميناء
"أسدود" على البحر المتوسط وميناء "إيلات" على
البحر الأحمر، وعلى الرغم من أن العديد من
المؤشرات كانت تشير إلى تبني حكومة جولدا مائير
للمشروع، إلا أن الظروف السياسية والأمنية
والاقتصادية قد أدت إلى تعليق المشروع بانتظار
حدوث متغيرات جديدة. [7]
وقد شكلت أزمة الطاقة التي عانت منها الدول
الغربية أثناء حرب أكتوبر عام 1973 دَفعةً قوية
أخرى للحكومات الإسرائيلية للبحث بجدية أكبر في
مشروع قناة تربط البحر الميت بأحد البحار المفتوحة
من حوله، والاستفادة من هذا المشروع في إحكام
السيطرة على الأراضي التي احتلتها عام 1967
ولتوليد الطاقة.
فقامت الحكومة الإسرائيلية عام 1974 بتشكيل لجنة
مهمتها إعداد دراسة أولية عن فوائد المشروع في
توليد الطاقة في منطقة البحر الميت، وبعد عمل دام
أكثر من سنة، قدمت اللجنة تقريرا أشار إلى جدوى
إقامة قناة البحرين من الناحية الاقتصادية، وأوصت
اللجنة بإجراء بحث مفصل وإعداد مشروع أولي.[8]
وفى عام 1977 قامت الحكومة الإسرائيلية بتشكيل
لجنة تخطيط لدراسة ثلاثة عروض لمسارات تربط
البحرين الميت والمتوسط. وعرض آخر يربط البحر
الأحمر بالميت عبر "إيلات"، الغريب أن النتيجة
النهائية التي توصلت إليها هذه اللجنة كانت
التأكيد على أفضلية مشروع توصيل البحر الميت بغزة.
باعتبارها الأكثر جدوى اقتصاديا بينما جاء مقترح
توصيل البحر الميت بإيلات باعتباره هو الأسوأ
والأقل من حيث الجدوى الاقتصادية!.[9]
ويبدأ الخط الذي أطلق عليه " خط القطيف – مسعدة "
من تل القطيفة الذي يقع على شاطئ البحر الأبيض
المتوسط جنوبي دير البلح وشمالي خانيونس في قطاع
غزة وينتهي في منطقة مسعدة بالقرب من البحر الميت
مارا بالنقب الشمالي جنوبي بئر السبع.[10]
وفي 24/8/1980 اتخذت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع
قرارا سياسيا يقضي بالعمل على تنفيذ المشروع، وفي
28/5/1981 بوشر العمل بتنفيذ المشروع من قطعة على
سفح جبل "يائير" ( قطاعه ) المطل على البحر الميت
بالقرب من مسعده.[11]
وحسب وجهة النظر الإسرائيلية فإن هذه القناة تهدف
إلى توليد حوالي ثلاثة آلاف ميجا واط من الطاقة
الكهربائية سنويا عن طريق المحطات الكهربائية
والطاقة الشمسية والمفاعلات النووية. كما تهدف إلى
إنتاج ما يقارب 20 ألف برميل من الزيت الخام يوميا
من الصخور الزيتية, وإقامة مجمعات صناعية
ومستوطنات زراعية تصل إلى مائة مستوطنة في النقب
الشمالي, وتحلية مياه البحر وإنشاء بحيرات مائية
لأغراض السياحة وتربية الأسماك. ويتوقع أن إسرائيل
هدفت ـ وإن لم تعلن عن ذلك ـ إلى إقامة أربعة
مفاعلات نووية جديدة.وحسب تقديرات الكلفة عام 1983
كانت تكلفة إنشاء القناة 1,5 بليون دولار, جمع
منها حوالي مائة مليون دولار من منظمة السندات
الإسرائيلية لتغطية تكاليف المرحلة الأولى من
المشروع.[12]
وتوقعت الدراسات الإسرائيلية أن ترفد هذه القناة
البحر الميت بحوالي 1600 مليون متراً مكعباً
سنويا, وبإضافة 600 مليون متراً مكعباً من مياه
الروافد سيصب في البحر الميت ما مجموعه 2200 مليون
متر مكعب من المياه سنوياً. ليعود مستوى سطح البحر
الميت إلى -395 مترا تحت مستوى سطح البحر عام
2000, وتعود مساحته إلى ما كانت عليه في
الخمسينيات. وبعد عام 2000 توقعت الدراسة
الإسرائيلية أن تزداد مساحة البحر الميت لتصل إلى
1173كم2, وبذلك سوف تغمر المياه أجزاء خارج نطاق
البحر الميت لتصل إلى غور الصافي وغور فيفا في
الأردن.[13]
وقد واجه المشروع انتقادات عربية ودولية، فالأردن
رفضه لتأثيره على الأراضي العربية المحتلة وآثاره
الاقتصادية والجغرافية السلبية، والأضرار التي
يمكن أن تلحق بمعامل البوتاس الأردنية على البحر
الميت، وتم إثارة و بحث الموضوع على مختلف الصعد
سواء على مستوى الجامعة العربية ومؤتمرات وزراء
الخارجية العرب أو على المستوى الإسلامي.
كما انتقدت الأمم المتحدة مشروع حفر القناة في 16
ديسمبر 1982، لأنها تنتهك حرمة الأراضي الفلسطينية
المحتلة عام 1967، وتضر بالمصالح الفلسطينية، ودعت
الهيئات الدولية إلى عدم تقديم أية مساعدات سواء
مباشرة أو غير مباشرة لهذا المشروع.[14]
وفي عام 1983 وخلال اجتماعات المجلس التنفيذي
لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP قدم مشروع قرار
للمجلس لإدانة إسرائيل، وقد حظي القرار بتأييد
ساحق ولم يصوت ضده إلا الولايات المتحدة
الأمريكية، إذ إن إسرائيل لم تكن في تلك الدورة
عضوا في المجلس التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة
للبيئة, ولكن ممثلها كان حاضرا الجلسة. وقد توجه
القرار الذي اتخذ بتاريخ 13 أيار 1983 إلى جميع
الدول والوكالات المتخصصة والمنظمات الحكومية وغير
الحكومية, بألا تساعد, بطريقة مباشرة أو غير
مباشرة, في الإعداد لهذا المشروع وتنفيذه. وطلب
القرار من المدير التنفيذي للبرنامج أن يسهل أعمال
الأمين العام للأمم المتحدة في الرصد والتقييم على
أساس متواصل لجميع الجوانب وخصوصا الأيكولوجية
المتعلقة بالآثار غير المواتية المترتبة بالنسبة
للأردن والأراضي العربية المحتلة عام 1967, بما في
ذلك القدس, وعدم تنفيذ القرار الإسرائيلي الذي
يرمي إلى إقامة هذه القناة.[15]
وفي تلك الفترة، طرحت الحكومة الأردنية مشروعاً
بديلاً لربط البحر الميت بالبحر الأحمر، كرد على
المشروع الإسرائيلي. غير أن الدراسات المستقلة
أثبتت أنه لا مكان لمشروعين منفصلين، كما أن
تنفيذهما معاً سيؤدي إلى كارثة اقتصادية وبيئية،
من ثم لا بد من الاتفاق على مشروع واحد، إذا قدّر
له أن يرى النور.[16]
وقد قوبل المشروع الأردني برفض واعتراض إسرائيلي،
وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت مناحم
بيجن بدعوة الأردن إلى المشاركة في تنفيذ المشروع
الإسرائيلي بدل من القيام بمشروع منفرد.
وبموازاة الضغوط الخارجية كانت هناك اعتراضات
كبيرة داخل إسرائيل، حيث أثارت الجدوى الاقتصادية
للمشروع شكوك المعارضة الإسرائيلية وبخاصة مع تأثر
مشاريع استخراج البوتاس على جانبي البحر الميت،
وانخفاض أسعار البترول، وتركيز الحكومة الليكودية
في ذلك الوقت على الأهداف السياسية والعسكرية و
الاستراتيجية بعيدة الأمد.
وبعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بزعامة شمعون
بيريس عام 1984 تم تجميد المشروع بشكل كامل في
انتظار حدوث تغيرات في المنطقة تسمح بتنفيذه في
إطار إقليمي، بعد أن تأكد لإسرائيل استحالة تطبيقه
بشكل منفرد.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] د. ماجد ملحم : مشروع قناة البحرين بين الحلم
و التنفيذ – فصلية الصامد الاقتصادي ، العدد88 ،
السنة 15 ، ص 129- 130، بتصرف .
[2] د. ماجد ملحم: مرجع سابق – ص 130.
[3] الموسوعة الفلسطينية : القسم العام ، المجلد
الثالث ، دمشق 1984 ، ص 607 ، بتصرف يسير.
[4] د. ماجد ملحم: مرجع سابق
[5] راجع : الموسوعة الفلسطينية ، مرجع سابق ص607
.
[6] د. ماجد ملحم :مرجع سابق- ص 131 .
[7] أحمد تهامي عبد الحي :قناة البحرين: الأبعاد
البيئية والاقتصادية والاستراتيجية ، ملف الأهرام
الاستراتيجي ، مركز الدراسات السياسية و
الإستراتيجية.
[8] د. ماجد ملحم : مرجع سابق- ص 131 .
[9] حنان البدرى : دراسة الجدوى الإسرائيلية
لمشروع قناة البحر الميت ، ملف الأهرام
الاستراتيجي ، مركز الدراسات السياسية و
الإستراتيجية.
[10] د. ماجد ملحم : مرجع سابق- ص 131 .
[11] فصلية الصامد الاقتصادي ، مشروع قناة البحرين
، العدد52 ، السنة ، ص 88 - 89
[12] سفيان التل : مرجع سابق
[13]. المرجع السابق
[14] أحمد تهامي عبد الحي ، مرجع سابق .
[15]. سفيان التل : ، بتصرف يسير
[16] باسل نشأت الأسمر، نظرة علمية إلى مشروع قناة
البحر الميت ، صحيفة الشرق الأوسط ، 30/7/2003 .
________________________________________
|
| |
|