أخبار و صحافة
  • د.التل: المياه القادمة من البحر الأحمر ستغمر الكثير من منشآت البوتاس الأردنية بينما لن تؤثر في المنشآت الإسرائيلية
خبير أردني يحذر من أخطار قناة البحرين على الأردن
حاوره: محمد الصعيدي

حذر كبير المستشارين في شؤون التخطيط والبيئة الدكتور المهندس سفيان التل من دمار كبير سيحل بمنشآت مصانع البوتاس على البحر الميت والمناطق المحاذية للبحر إذا ما أصرت الحكومة الأردنية على تنفيذ مشروع قناة البحرين (الأحمر- الميت)، مشيرا إلى أن الأردن سيخسر جراءه أكثر مما يروج له البعض من فوائد.

وأضاف التل، الذي أشرف على اعداد الاستراتيجية الوطنية لحماية البيئة في الأردن، أن استمرار تدفق المياه على البحر الميت سيزيل ميزاته المعروفة، مشددا في حواره مع «السبيل» على أن الحصول على الطاقة والمياه المحلاة يمكن من خلال مشاريع موجودة وأخرى تم اقتراحها منذ 15 سنة وليس من خلال القناة التي ستخدم «إسرائيل» بشكل رئيسي.

وفيما يلي نص الحوار:

- ما هي الخلفيات التاريخية لرغبة الدول والكيان الصهيوني في تلك المنطقة من الاستفادة من جغرافية البحر الميت؟

- من المعروف أن الحركة الصهيونية منذ نشأتها كانت تقوم بدراسات ومسوحات كثيرة للسيطرة على الثروة المائية في المنطقة بما يخدم اهدافها التوسعية، حيث ان الشعار الذي تبنته «اسرائيل» والموضوع على علمها بين الخطين الازرقين (ارض اسرائيل من الفرات الى النيل) يؤكد ان مطامعهم بالمياه العربية شاملة، كما أن المحاولات لم تغب عنا للسيطرة على نهر الليطاني واحتلالهم لجنوب لبنان فترة طويلة من الزمن وهو ما يؤكد هذا الموضوع، بالتالي رفعت فكرة شق قناة من البحر الابيض الى البحر الميت او الى غور وادي الاردن من ضمن المخططات الصهيونية. وقد عمدت الدولة الصهيونية الى دراسة أكثر من 26 مسارا لهذه القناة، ابتدأت بالربط بين الميت جنوباً وبحيرة طبريا، ثم مسار آخر يربط المتوسط وشمال الميت، أما المسار الثالث فهو مشروع القناة الاسرائيلية التي تربط البحر المتوسط من منطقة اشدود (شمالي رفح) الى البحر الميت مقابل منطقة بيسان وهو المشروع الذي اعتمدته «اسرائيل» وشكلت له لجان عمل، وبدأت تل أبيب بالعمل الجدي في المشروع عام 1981، واسست شركة لهذا الغرض سميت بشركة البحر الابيض - البحر الميت وبوشر بالعمل التنفيذي في منتصف عام 1981 من منطقة البحر الميت بالقرب من (مسعدة)، وفي عام 1983 احتفلت «اسرائيل» بوضع حجر الاساس بعد ان شكلت لجاناً وباعت سندات اسرائيلية في مختلف انحاء اوروبا والولايات المتحدة.

- تداولت صحف مصرية حينها أن قناة الأبيض-الميت ستنافس قناة السويس فما صحة ذلك؟

- لم تكن هذه القناة مكشوفة مثل قناة السويس، وانما تبدأ بمحطة ضخ تضخ المياه من المتوسط الى قناة مكشوفة لا يزيد طولها على 1.6 كم، وبعد ذلك تتدفق المياه عبر انبوب يمر من قطاع غزة يصل قطره 4.7 م وطوله 5 كم، وكان الهدف من مرور الانبوب بغزة هو ضمان عدم التخريب واعمال المقاومة المتوقعة.

ويلي ذلك قناة مكشوفة اخرى بطول حوالي 20كم وعرض 25م وبعد ذلك يبدأ نفق عبر الجبال بطول 80كم وقطر 5.7م وينتهي على البحر الميت، أي ان طول القناة بالمحصلة 114كم، وكان من المتوقع لهذه القناة ان تنقل 1700 مليون م3 في السنة.

- ماذا كانت أهداف «إسرائيل» من قناة الابيض - الميت؟

- كان لهذا المشروع اهداف متعددة منها العسكرية والاقتصادية والسياسية والاستيطانية، فمنها توليد الطاقة، حيث كانت تطمح «تل أبيب» لإقامة 4 مفاعلات نووية جديدة في المنطقة لتستخدم مياه القناة لتبريدها، وكانت تطمح أيضا إلى تحلية المياه لسد حاجتها المتزايدة للمياه من خلال بناء 100 مستوطنة جديدة في النقب.

وكانت تطمح ايضاً الى توليد الطاقة واستغلال الصخور الزيتية وانشاء بحيرات مائية للسياحة وتربية الاسماك وإقامت صناعات كثيرة على هذا الخط.

- إذن.. لماذا أوقفت «إسرائيل» المشروع؟

- توصلت اللجان التي تشكلت في «اسرائيل» لدراسة الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع إلى أن الجدوى الاقتصادية للمشروع لم تكن مجدية، علما بأن التكلفة كانت تتراوح بين 1000 مليون دولار و1.5 بليون، وبما ان لـ«إسرائيل» أهدافاً أخرى غير معلنة ولم تكشف عن تفاصيلها فقد رأت أن لا تغض النظر عن المشروع للأبد رغم انها توقفت نهائياً عن تنفيذه، ليبدأ التنسيق بينها وبين الولايات المتحدة لنقله الى الجانب الاردني على ان يصبح مشروعاً اردنياً - اسرائيلياً مشتركاً. وعندما زار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الاردن قبل توقيع اتفاقية السلام بداية التسعينيات داعياً لاتفاقية السلام، كنت بين المدعوين لاجراء الحوار معه على مائدة الغداء وقلت له حينها: انك رجل بيئي معروف وقد كرمك برنامج الأمم المتحدة للبيئة باعتبارك واحداً من الـ500 شخصية التي تحافظ على البيئة في العالم، فكيف قبلت ان تقوم بلادك منفردة على مشروع القناة خلافاً لكل دول العالم التي صوتت في برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 1983 ضد هذا المشروع على اعتبار انه يضر ببيئة المنطقة ويدمر بيئة البحر الميت، وكانت اجابته في ذلك التاريخ دعونا نوقف المشروع الاسرائيلي لقناة الابيض - الميت ونستعيض عنه بقناة الاحمر - الميت وتكون للاردن و«اسرائيل» معا، وبعد ذلك التاريخ بدأت فكرة قناة الاحمر - الميت تظهر وتداولتها الصحافة الى ان اعلن عنها ممثلو الاردن و«اسرائيل» رسمياً في مؤتمر قمة الارض الذي عقد في جوهانسبرغ العام الماضي.

- ما ملاحظاتك على مشروع قناة الأحمر- الميت؟

- اهم مآخذي على المشروع ان الاردن ليس ملزماً بتصحيح كل الاخطاء التي ترتكبها «اسرائيل»، فـ«إسرائيل» هي المسؤولة اولاً واخيراً عن انحسار البحر الميت بسبب تحويلها لمجرى نهر الاردن ولبدئها منذ زمن بعيد بالاعداد لمنشآت البوتاس التي ساهمت بتجفيف جزء منه.

اما السبب الثاني فان ابسط قواعد الاستراتيجية العسكرية والسياسية تجعلنا لا نضع مصادر المياه الحلوة والطاقة المخصصة لـ«اسرائيل» في الاراضي الاردنية، اذ ان «اسرائيل» التي تطمح منذ تأسيسها للاستيلاء على شاطئ البحر الميت الشرقي سنجعل بين يديها سبباً وجيهاً لتنفيذ مطامعها في أي وقت، فلو نفذ المشروع وكان بالبرامج الاسرائيلي احتلال الشاطئ الشرقي فلن تعجز عن تجنيد عدد من عملائها لافتعال حادث تخريبي على خط المياه الناقل في الجانب الاردني ثم تضع لنفسها مبرراً لاحتلال المنطقة لحماية مصادر طاقتها ومياهها المحلاة.

- ولكن من المبررات الأردنية للمضي في تنفيذ المشروع هو الحصول على المياه التي ستكون مشكلة القرن؟

- اذا كانت المشكلة هي مشكلة مياه فقط بالنسبة للاردن فبامكاننا كما فعلت الكثير من الدول انشاء محطات تحلية خاصة بنا على البحر الاحمر ونحل المشكلة دون الارتباط مع «اسرائيل» واعطائها حقوقاً على اراض ليست لها. وحتى هذا التاريخ لم نفكر جدياً بالاستفادة من مياه حوض الديسي لحل مشاكلنا المائية في حين يتبجح من يتطوعون بالدفاع عن «اسرائيل» في بلادنا باقتراح ان نعطي مياه الديسي لايلات وان نأخذ بدلاً منها من طبريا مع الفارق الرهيب في نوعية المياه في الطرفين، كما أننا لا ننسى التجربة السيئة التي عشناها عندما ضخت «اسرائيل» المياه التي خزناها في طبريا.

- إلى أي حد ستؤثر هذه القناة في البيئة الفريدة للبحر الميت؟

- الموضوع مطروح للنقاش للآن، لكن كثافة مياه البحر الميت تختلف جذرياً عنها في مياه الاحمر، فعندما تصل مياه الاحمر الى الميت ستتشكل طبقتان من المياه مختلفتا الكثافة والنوعية، وحتى ان «اسرائيل» في مشروعها القديم كانت تفكر في استغلال الفارق بين الطبقتين لانتاج طاقة حرارية كبيرة، يضاف الى ذلك ان مياه الاحمر هي ليست ميتة وتحمل احياء بحرية كبيرة ودقيقة، وبالتالي سنقضي على أهم ميزة تميز بها البحر الميت على مدى التاريخ على انه البحر الميت الوحيد على سطح الكرة الارضية.

- ألن تكون «إسرائيل» أيضا متضررة من المشروع حال اتمامه خاصة وأن لها مصالح على «الميت» مثل مصنع البوتاس؟

- أولا، فإن شركة البوتاس الاردنية ستعاني من مشكلة كبيرة بهذا الخصوص لن تعاني «اسرائيل» منها، وهي على سبيل المثال ان شركة البوتاس الاسرائيلية اقامت سدودها وجدرانها في البحر الميت قبل تحويل مجرى نهر الاردن أي على المستوى المرتفع لمياه البحر الميت، اما الاردن فقد اقامت سدودها وجدرانها ومنشاءاتها بعد ان كان مستوى البحر الميت قد انخفض، وبالتالي فان المياه القادمة من البحر الاحمر ستغمر الكثير من منشآت البوتاس الأردنية بينما لن تؤثر على المنشآت الاسرائيلية.

- هل سينال ارتفاع منسوب المياه في البحر الميت جراء تدفق المياه عليه من مناطق الأغوار؟

- منذ ان تم تحويل مجرى نهر الاردن حتى اليوم انخفض مستوى المياه في البحر الميت ما يقارب 22م، وهذا الرقم في تغير مستمر، فاذا ما بدأ سطح مياه البحر الميت بالارتفاع بفعل أي قناة ووصل الى (-390م) فسوف تغمر المياه كثيراً من الاراضي الاردنية، وأما اذا وصل مستوى البحر الميت الى 386م تحت سطح البحر فسيتم اغراق معظم المنشآت التابعة لشركة البوتاس العربية ومنها الملاحات وقنوات التصريف ووحدات الضخ وما شابه ذلك، أضف إلى ذلك أن طريقة السويمة- البحر الميت والذي نفذت اجزاء منه على الشاطئ وعلى المستوى المنخفض للبحر ستغمر بالماء عندما يرتفع المستوى، ما يتطلب اعادة تصميم وتنفيذ هذا الشارع لتجاوز المشكلة.

- ما الفترة الزمنية التي ستفصل بدأ ضخ المياه للميت وحدوث هذه الأضرار على الجانب الأردني؟

- ان هذا يترتب على تصميم القناة وسعة الأنبوب الناقل وكميات الضخ في العام، لذلك يصعب التنبؤ عن الوقت الذي ستغمر فيه هذه المنشآت والأراضي، لكن هذه المنشآت ستكون مهددة بالتأكيد، واعتقد ان الجانب الاسرائيلي والامريكي لن يقيم لهذه المشكلة الأردنية وزناً كبيراً لانه سيطرح المشروع على ان مثل هذه النفقات يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار في التصاميم، لذلك فإن المنطق الأمريكي يركز على الجانب الأهم وهو اعطاء حقوق لـ«اسرائيل» من خلال المشروع على الجانب الاردني على الاراضي الاردنية وشاطئ البحر الميت.

- هل معنى هذا أن الإسرائيليين لن يلحق بهم أي ضرر؟

- لو كان الاسرائيليون سيتضررون لاكتشفوا ذلك في دراستهم المتكاملة حول مشروع الأبيض-الميت، فالموضوع بالنسبة لـ«اسرائيل» حزمة متكاملة عسكرية سياسية اقتصادية اجتماعية استيطانية توسعية ولو لحق بهم شيء من الاضرار من جانب واحد ستبقى مكاسبهم كثيرة جداً في الجوانب الاخرى، وبالنسبة للاردن فالحكومة لا تطرح الا موضوعين: الحصول على مياه محلاة وموضوع الطاقة، ولدينا البدائل لهذين المشروعين، فالطاقة بدأنا ننتجها من الغاز في الريشة، كما وصلنا الآن انبوب الغاز من مصر، أما المياه فلدينا بدائل كثيرة ومنها مشروع السد الاخضر وقد طرحته قبل اكثر من 15 عاماً وهو عبارة عن اقامت مئات السدود الترابية الصغيرة واصطياد مليارات الامتار المكعبة من مياه الامطار التي تهطل على صحارينا الشرقية، وهذه السدود والحفائر ستكون لها فوائد كثيرة مثل زيادة مخزون المياه الجوفية وخلق مساحات خضراء في الصحراء وتحسين انتاج الثروة الحيوانية وتوطين الناس حول هذه المساحات الخضراء التي ستحسن الانتاج الزراعي ايضاً، علماً ان مليارات الامتار من هذه المياه تسيل الى الوديان والاستفادة منها تكاد لا تذكر.
 
 

الصفحة الرئيسية