2004/08/20
الأردن: الرأي العام قلق من تأثيرات مفاعل ديمونا
.. وحبوب اسرائيل المضادة للتلوث تسببت بدعوات
لتدويل المخاوف
عمان ـ القدس العربي ـ من بسام البدارين: لا يكاد
يخلو مجلس او سهرة او حتي نشاط صحافي في الأردن من
الحديث عن تأثيرات مفاعل ديمونا الاسرائيلي علي
البلاد والعباد في المملكة خصوصا بعدما فجر مردخاي
فعنونو الخبير النووي الاسرائيلي الشهير قنبلته في
حضن الحكومة الأردنية عندما قال بان الأردن هو
أقرب الدول وأكثرها تأثرا فيما يتسرب من مفاعل
ديمونا الذي تجاوز عمره العلمي والزمني وتبحث
اسرائيل له عن حل.
ومن حسن حظ الحكومة
الأردنية ان الجدل حول مفاعل ديمونا فتح علي
مصراعيه وأصبح حديث المواطنين جميعا من القمة
للقاعدة في فترة العطلة البرلمانية، لكن ذلك لم
يساعدها بعد في تحديد خطة عملية وسياسية وفنية
للتعامل مع الموضوع وسط تصريحات متعاكسة للمسؤولين
تلهث وراء الرد علي خبير أردني دولي لا يمكن
مناقشته فيما يقوله من علم هو الدكتور سفيان التل
المختص بملف البيئة في الأمم المتحدة والذي تظهر
صوره وتعليقاته الناقدة يوميا في الصحف محذرا
المسؤولين من الاستمرار في لعبة الدفاع عن اسرائيل
او ترديد كلامها عن المبالغات الخاصة بملف ديمونا.
وفعنونو اولا ثم
الدكتور التل ثانيا والصحافة المستقلة ثالثا عوامل
ثلاثة ساهمت في صناعة قصة بالمواصفات المحلية
الملحقة بالرأي العام في الأردن، فالأول قال ما
قاله حول تأثيرات ديمونا العاطل عن العمل علي دول
الجوار وبالأخص الأردن والثاني استلم المعلومة
وحظي بفرصة لم تتح له سابقا ففتح ملف الاشعاعات
والتأثيرات والسرطانات علي مصراعيه فيما جاء
العامل الثالث مكملا لحلقة الارباك الحكومي.
والجوهري في
المسألة برمتها هو ان الحكومة تسعي للتحرك في أفق
هذا الملف الشائك في ظل حقيقتين يعرفهما الجميع،
فالأردنيون وفي كل مناطقهم يشعرون بخطر اسمه حالات
مرض السرطان الذي يتنامي وأصبح الآن حسب التل نفسه
بصدد الدخول لكل بيت ولكل عائلة، والحقيقة الثانية
هي قناعة الرأي العام التي لا يمكن زحزحتها مهما
فعلت الحكومة بان اسرائيل تتسبب بتلوث اشعاعي
ونووي في المنطقة وبأن اتفاقية السلام الموقعة
معها لا زالت الحلقة الأضعف أردنيا ولا تردعها عن
نقل التلوث الي الجانب الأردني اذا لزم الأمر، كما
تفعل بمياه بحيرة طبريا وكما فعلت سابقا في قضية
مشهورة بعنوان المياه العادمة التي نقلتها للأردن
قبل عدة أعوام باعتبارها الحصة المتفق عليها في
اتفاق وادي عربة. ويعني ذلك بان الرأي العام
الأردني لا يثق أصلا بالاسرائيليين ولا باحترامها
للاتفاقيات وبالتالي ستواجه الحكومة مهما فعلت
صعوبات بالغة في اضفاء المصداقية علي اي جهد تقوم
به بالاتجاه المضاد للاسرائيليين.
وملف تأثيرات مفاعل ديمونا علي الأرض الأردنية
اصبح الآن ككرة الثلج وأصبح حديث المجالس والبيوت،
والملاحظ ان خبراء الحكومة العلميون او العلماء
الذين يتواجدون في الجامعات المحلية يحجمون عن
الادلاء برأيهم او المشاركة بالحفلة سواء لصالح ما
يحذر منه الدكتور التل من مخاطر او لصالح تبديد
المخاوف قياسا علي التكتيك الحكومي، وصمت العلماء
الموجودين وهم كثر بالمناسبة يجعل الحكومة وحيدة
في مواجهة الأمر.
وأعلنت الحكومة
عن خطوة رسمية وحيدة في اتجاه التثبت من عدم وجود
تلوثات اشعاعية في البلاد، وقالت ادارة الطاقة
الذرية بأنها تلقت تعليمات من الحكومة لاجراء
اتصالات للاستعانة بخبراء في مجال الكشف وفحص
الاشعاعات النووية في الهواء والتربة للتأكد من
خلو الاردن من الاشعاعات النووية.
وأكدت الادارة ان
اللقاءات مستمرة مع خبراء هيئة الطاقة الذرية في
جنيف، مؤكدة ان الدراسات والمسوحات الميدانية
للاشعاع النووي مستمرة بشكل يومي وكل القياسات
مطمئنة. وقال مدير الادارة الدكتور زياد القضاة
انه لا يجوز لاشخاص لم يدخلوا هيئة الطاقة النووية
ولا يعرفون آلية عمل الهيئة والاجهزة والدراسات
والمسوحات التي يجريها الخبراء الاردنيون لقياس
الاشعاعات، اصدار احكام علي ادائها داعيا وسائل
الاعلام واصحاب الرأي الي توخي الدقة في المعلومات
معربا عن ارتياحه للمسوحات التي يجريها الخبراء
الاردنيون، ومشيرا الي انه ستتم قريبا دعوة خبراء
من هيئة الطاقة الذرية للاردن لاجراء تقييمات
موسعة أكثر.
وفي الواقع تبدو
الحكومة مرتبكة قليلا فهي لا تعرف الآلية التي
يمكن اتباعها للتعامل مع موضوع مثير للجدل من هذا
الحجم ومنسوب الارتباك زاد كثيرا عندما خدمت
اسرائيل نفسها ادعاءات فعنونو عبر توزيع حبوب
وأدوية مضادة للاشعاعات للسكان المحيطين بمفاعل
ديمونا، وهذا الاجراء فتح أعين اللجنة الصحية في
البرلمان ودفعها لعقد اجتماع غير رسمي وطارئ لا
زالت تتكتم علي تفاصيله لهدف واضح هو قياس ردة
الفعل علي المواصفات الحكومية ومعرفة الخطوة
التالية.
وفيما لا يصدر عن
الحكومة والجهات الرسمية ما يفيد بوجود خطة طوارئ
لا تلاحق الادعاءات وما ينشر بقدر ما تقنع الرأي
العام بوجود جهد مبذول، ووسط صمت العلماء من
المؤسسات الرسمية والأكاديمية بقي الخبير الدولي
الدكتور التل هو المتحدث الوحيد في الميدان وهو
عالم يطلق عبارات لاذعة بحق المسؤولين ويتميز
برؤية نقدية للأحداث وسبق ان خرج من المؤسسة
الرسمية بسبب سلاطة تقييماته وانتقاداته مع العلم
بان الجميع يعترف بعلمه وخبرته في المجال الذي
يتحدث عنه وهو البيئة.
ونظرية التل
كمتحدث وحيد محليا في الموضوع بسيطة وفيها محوران
الأول سياسي والآخر فني وعلمي، وفي العلمي يستند
الي ان محافظة الطفيلة الجنوبية تبعد ستين
كيلومترا فقط عن مفاعل ديمونا وبالتالي فهي في
محيط اي تلوثات ناتجة عنه اضافة الي ان اسرائيل
ترفض التعاون في مجال الفحوصات مع العالم وليس مع
المجاورين فقط، مع العلم بان التزايد الواضح في
عدد حالات السرطان عند الأردنيين بحاجة لدراسة
علمية وجادة لمعرفة الأسباب بعد ان اصبح هذا
التزايد ظاهرة بحد ذاته.
وفي المجال
السياسي يعتقد الدكتور التل بان الالتزامات
السياسية الناتجة عن وادي عربة تكبل الحكومة
الأردنية وموازين القوي تمنع اجبار اسرائيل علي
ممارسة الشفافية بما يخص مفاعل ديمونا فيما يكرس
المسؤولون تصريحاتهم لتجنب اغضاب اسرائيل او تعكير
مزاجها.
وحتي الآن لا يوجد اي نظرية اضافية تنافس نظرية
الدكتور التل حول الموضوع او تزاحمها علي أقل
تعديل، فالحكومة نفسها لا تبدو متحمسة للتمسك
بالصياغات التي تكتفي بدون علم نفي حصول اشعاعات،
وما تقوله انها بصدد فحص الموضوع والتأكد منه،
علما بان الأقلام بدأت تظهر وتطالب باسضافة فعنونو
نفسه لكي يتحدث في عمان عن رأيه او باللجوء
للهيئات الدولية والقيام بحملة دولية مكثفة لاجبار
اسرائيل علي التحدث بصراحة عن الموضوع وبالنتيجة
تبديد مخاوف الرأي العام المحلي. ازاء ذلك وازاء
تزايد الجدل حول معدلات الاصابة بالسرطان في
الأردن اصدرت وزارة الصحة الأردنية بيانا توضيحيا
أكدت فيه بان الاصابات بالسرطان نتيجة التلوث
الاشعاعي لا تظهر الا بعد تعرض الجسم للتراكمات من
التلوث الاشعاعي لفترة تتراوح مدتها من خمس الي
عشر سنوات مبينة ان متوسط الاعمار عند الاصابة
بالسرطان تقدر بحوالي 56 سنة.
وبحسب التقارير
الصادرة في شهر 9 من العام الماضي عن السجل الوطني
فان المعدل السنوي لعدد حالات السرطان الخبيث
المشخصة والمكتشفة سنويا في الاردن خلال الخمس
سنوات الاخيرة تقدر بحوالي 3300 حالة جديدة، حيث
تم احتساب المعدل السنوي لحدوث حالات السرطان فكان
المعدل الخام هو حوالي 70 اصابة جديدة بالسرطان
لكل 100.000 من السكان.
وبين التقرير ان
معدلات السرطان في الاردن متقاربة مع معدلات
السرطان لبعض الدول العربية او اكثر قليلا في
الاردن وذلك بسبب التسجيل الفعال والنشط والمدعوم
من معهد السرطان الامريكي ومنظمة الصحة العالمية،
ولكنه اقل بكثير من معدلات السرطان في الدول
الاوروبية وامريكا وذلك بسبب الاختلاف في العوامل
والاسباب التي تكمن وراء مرض السرطان. كما اوضح
التقرير انه خلال الخمس سنوات الاخيرة فان السجل
الوطني للسرطان استطاع التعرف علي حجم المشكلة
واكثر انواع السرطانات انتشارا وتوزيعها جفرافيا
علي المستوي الوطني حيث تبين بانه لا يوجد اي
فوارق في معدلات السرطان بين المحافظات والالوية
والتجمعات السكانية المختلفة في الاردن ولا توجد
اي معدلات للسرطان تميز منطقة عن اخري.
في غضون ذلك اصر
ممثل نقابة المهندسين الأردنيين في الاتحاد العربي
للمهندسين علي ان الدراسات تشير الي ان اسرائيل
نفسها ستكون في مأمن أكثر من غيرها في حالة حصول
تلوثات اشعاعية، وقال المهندس رياض ابو هزيم ان
اسرائيل ستكون الأقل تأثرا مطالبا في مذكرة أرسلها
للاتحاد العربي بمخاطبة هيئة الطاقة النووية
والامم المتحدة واليونسكو الجهات المعنية بالتحرك
السريع من اجل ايقاف الكارثة المحتملة لتسرب
الاشعاعات من المفاعل الذي انتهي عمره الافتراضي
خصوصا وانه انشئ بمواصفات متدنية.
وحسب المذكرة فان
علي البيئيين العرب عدم الوقوف كمتفرجين علي أخطر
قضية بيئية في المنطقة.
واوضح ابو هزيم
انه في حال انهيار المفاعل فان التأثير علي الاردن
يكاد يصل بخطورته الي عشرين ضعفا من الخطورة علي
اسرائيل، وذلك بسبب وجوده بجنوب فلسطين وبالقرب من
الحدود الاردنية والرياح بالذات في تلك المنطقة
بنسبة 95% هي رياح غربية، مشيرا الي ان الكارثة
ستكون بشكل كبير علي السعودية والعراق ومصر
والمنطقة العربية كلها وحتي سواحل اوروبا علي
البحر المتوسط.
وطالبت نقابة المهندسين في مذكرة ممثلها بعقد
اجتماع لجنة البيئة الاتحادية حتي يكون للجنة رأي
في ما يحدث ولاصدار توصيات للمجلس الاعلي ومخاطبة
الجهات الدولية المعنية بذلك.
كما طالب ممثل
النقابة لجنة البيئة في الاتحاد القيام بحملة
اعلامية عربية ودولية لفضح الكارثة التي يتوقع
الخبراء انها ربما تقع قريبا.
|